السيد المسيح – رسول السلام يلوح بالأفق
للعلامة الإنساني الكبير- محمد أمين شيخو (قدس الله سره)
لقد أضحينا في آخر الزمن، عمَّ الجهلُ وتغلَّب الهوى، واستعصت الشهواتُ في النفوس، استُحلَّ الحرامُ وحُرِّم الحلالُ، وفتحَ الناس باب الإباحية.
ظلامٌ دامسٌ وليلٌ أعتم القلوبَ والنفوس. ضبابُ الحضارة الكثيف أسملَ البصائر، ففرَّ الناس من الواقع، وغاصوا في غياهبِ الخمور والفجور، كما أغرق الضياء والنعيم، وحجبَ نور الحقِّ المقيم، قلق واضطرابٌ، ورعبٌ لا يفارقُ الصدور، من ظلم بني الإنسان للإنسان، ألمٌ عاصفٌ يجتاحُ الحنايا، يستنـزف الدمعَ من مآقٍ غاضَ ماؤها لقسوة أهل الحضارةِ وعمَائِها.
كابوسٌ رهيبٌ ترزحُ القلوبُ تحت وطأته، ذلٌّ تخطى القيم لنفوس أبت إلاَّ الذلّ من أجل لقمة عيش كريهة، عسفٌ أذهلَ الكائنات لمن يدَّعون بالحضارةِ والإنسانية والمكرمات، مهرجانٌ عظيمٌ ولكن من الأنات إذ بطشَ القويُّ بالضعيفِ، والرجالُ بالنساء والأطفال، والأغنياءُ بالفقراء، صرخات التوجعِ والآهات تترى والعذاب سِجال.
اغْتِيلت الفضيلةُ، وأمسكت الرذيلةُ بصولجان الإمارة، فحلَّت بواديهم مآسي الخزي والخسارة، دُفنت القيم، واستعلى الطاغوتُ، فقُتلت النفوس وافْتقدت السعادة، طُلِّق الحياءُ فأصبحت سوق الشيطان رائجةً، عندها حلَّ البلاء وانعدم الرضى وأضحت الحياةُ جحيماً لا يطاق.
اندثرت الحقيقة إذ هجرَ الناس القرآن، كما هجر من قبله الإنجيل والتوراة، وتكالبوا على العلم، الإله المزيَّف (علم المخلوق الضعيف لا علم الخالق العظيم)، وأشاحوا عن الديّان مبدع الكمال ورب النعيم والسرور العميم، فانقطعت سبل السعادة، وغرق الناس في بحر الضنك والمرارة.
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ...} (124) سورة طه. انكبّوا على ألوان الخمور والمخدرات يعبّون منها، وينشدون بها الفرار فترات، ليعودَ الأمر أشدُّ وأدهى وأكثرُ شراسةً وأطغى، حتى دفع اليأس والقنوط وخيبة الأمل من الدنيا الكثير الكثير في أمِّ الحضارات الخدّاعة الغرّارة إلى الانتحار وهجْر ما هفوا إليه من دنيا دنيّة.
آن الأوان ودار الزمان دورته، وملّت النفوس من الإعراض، إذ أترعت بالأمراض، حتى زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فتعالت النداءات أن عودوا إلى الحق، فالعوْد أحمد، والرجوع إلى الحق خيرٌ وأحب إلى الله من التمادي في الباطل، لقد أبى الرحمن الرحيم إلاَّ أن ينقذ بني الإنسان من هذا الهوان، فبعد أن ذاقوا مرارة الإعراض من طغيانهم وبغيهم وفسادهم، عندما تخلوا عن الإله مبدع الأكوان والأرض والسموات، فحلَّ فيهم الشقاء والبؤس والبأساء، طلبوا الخلاص من رب الخلاص: فاستجاب لهم ربهم أني: {... أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...} (186) سورة البقرة، سأبدّل شقاءكم نعيماً، وغمّكم وهمكم بهجة وحبوراً، وسأجعل أرضكم جنَّات وغبطة أبديّة، سأعيد إليكم رسولاً عظيماً كريماً، يطيِّب عيشكم في ظلال روح وريحان، ورضى وبهجة وأمان، بظهور سيّد الأكوان (في عصره) سيدنا (عيسى المسيح عليه السلام ) إلى يوم تلقوني وأنا عنكم راض. فمن نعيم إلى نعيم أكبر، ومن سعادة إلى سعادة أعظم.
_____________________________________________________________________________
- لتحميل أو قرأة كتاب السيد المسيح أضغط هنا
